الشبكة العربية

الإثنين 26 أغسطس 2019م - 25 ذو الحجة 1440 هـ
الشبكة العربية

التسول على موائد الحكومات !

أكبر وهم عشناه على مدار عقود طويلة في عالمنا العربي هو " الوظيفة الحكومية "! حكومات بائسة أنتجت وظائف بائسة، ووظائف بائسة قتلت في شاغليها كل معاني الطموح والتطور، والأخطر أنها قتلت فيهم الضمير (بدون تعميم). كان بالامكان صناعة وظيفة حكومية تثري الحياة وتضيف قيمة حقيقية للجميع لو كانت هناك حكومات تعمل باحترافية وعلم وتخطيط ونزاهة لكن هذا لم يحدث وغالباً لن يحدث بسبب ميراث الأفكار البالية وقيود النظرة المحدودة وسيطرة المصالح الذاتية. أما نحن المحكومون فتصورنا أن الوظيفة الحكومية توفر دخلاً ثابتاً، وكيف يثبت دخل يتحرك كسلحفاة عجوز أمام أعباء معيشة تتحرك كالحصان الجامح؟! وتصورنا أن الوظيفة الحكومية توفر إستقراراراً، وأي إستقرار في الحياة يتحقق مع ضغوط فردية وأسرية وإجتماعية تزيد ولا تنقص؟! وتصورنا أن الوظيفة  الحكومية توفر تأميناً لمتطلبات الحياة عندما تشيخ الأجساد وتعجز عن العمل، وأي تأمين تحققه معاشات يفصل بينها وبين المرتبات أمداً بعيداً؟!  الحقيقة أن الوظيفة الحكومية تعرت وظهرت عوراتها في زمننا هذا وأدخلت كثيرين من شاغليها في دوامة قاسية من الندم والحسرة، كثيرون الآن - هؤلاء الذين لا يبصرون في الطرق الملتوية - يندبون حظهم على وظائف دفنتهم وهم على قيد الحياة، حتى الذين يشغلون وظائف بمسميات مرموقة ومضامين خاوية يبكون الآن على اللبن المسكوب ويبدون قليلي الحيلة في مواجهة متغيرات زادت وطأتها،  وآخرون إتخذوا قراراهم من اللحظة الأولى وتعاملوا مع الوظيفة الحكومية باعتبارها " تكية صباحية  " تتيح فراغاً يمكن إستثماره في المساء،  وآخرون تعاملوا معها باعتبارها عصا يتوكأون عليها ولهم فيها مآرب أخرى! الأجيال القادمة أو الجديدة قطعاً ستتحرر من هذا الوهم بارادتها أو رغماً عنها وهذا يشكل أحد التحولات الكبيرة في طبيعة وثقافة تلك الأجيال وكذلك طبيعة علاقتها مع حكومات مشكلتها أنها لا تدرك أنها أجيال مختلفة تتشكل لديها قيم مختلفة وفي ظروف مختلفة. من ناحية أخرى فالوظيفة الحكومية لم ينزل فيها قرآن ولم يخبرنا مدبر الكون أنها المصدر الوحيد أو الكبير للرزق لكنها ثقافتنا العقيمة وتصوراتنا الخائبة. دائماً ننصح طلابنا بتجنب البحث عن وظائف حكومية، وبأن يشغلوا أنفسهم باكتشاف قدراتهم وتطويرها واكتساب خبرات متراكمة في مجال محدد يرفع من سعرهم في سوق العمل ويمكنهم لاحقاً من الحصول على وظائف تشبع إحتياجاتهم المادية والمعنوية في شركات أومؤسسات تقدر قيمتهم  وتنتفع بقدراتهم، أو يفتح لهم أبواب عالم واسع وممتع وليس له حدود إسمه العمل الحر. عالمنا إحتلته قيم الرأسمالية لأنه المنهج الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية على العالم بعدما إنفردت بقيادته، ورغم مساويء الرأسمالية التي أنتجتها على طريقتا وبما يخدم مصالحها إلا أنها أفادت كثيراً في فتح الأسواق وتنميتها وخلق الفرص في  العمل والاستثمار ووضع تحديات أمام الانسان تجبره على تغيير طريقته في التفكير وإتجاهاته في العمل، وطالما كان هناك حياة على وجه الأرض فهناك احتياجات وفرص لاستثمار تلك الاحتياجات. الأمر يحتاج إلى ثقافة ذاتية مختلفة ليس لها بديل تدعم تطوير الذات والعمل الحر وتقبل المخاطرة والمرونة والصبر والتركيز...الخ وهي ثقافة تصنع إنساناً بمعنى الكلمة لا ينتظر الفتات، ولا يتسول على موائد الحكومات، ويؤمن بأن الرزق بيد الله وحده وأن لكل مجتهد نصيب.  


د.عبدالله ظهري

[email protected]

 

إقرأ ايضا