الشبكة العربية

الأربعاء 18 سبتمبر 2019م - 19 محرم 1441 هـ
الشبكة العربية

قوة الكبت!!

في أكتوبر من عام 2002 وطأت قدماي أرض ليبيا لأول مرة للعمل في جامعة تقع في أقصى الجنوب الليبي. الخطوة الأولى في بنغازي كانت توحي بأجواء مختلفة جديدة على العين وغريبة على النفس، لوحات معلقة في أماكن كثيرة تحمل صورة العقيد ومعها عبارات غريبة شكلاً ومضموناً: " الطفل تربية أمه " ، "الأجراء عبيد " ، " السود سيسودون العالم"، " المركوب(السيارة) حق لكل مواطن "، " الحزب هو الديكتاتورية العصرية"...الخ. تنضح شخصية الحاكم على المكان، وليبيا كانت غريبة وقتها مثلما كان حاكمها غريباً.  عبر طريق صحراوي سرنا فيه بالسيارة نحو 12 ساعة إلى الجنوب الليبي تشعر أنك في دولة فقيرة لا تملك إلا سعة في مساحتها، الواقع أننا كنا نسير في دولة غنية للغاية لدرجة أنها كانت ومازالت فريسة تشتهيها قوى كبيرة في عالمنا لكنها صحراء الديكتاتورية التي تبتلع كل شيء! صورة جمال عبد الناصر كانت بجوار صورة العقيد في أماكن كثيرة وشارع جمال عبد الناصر هو شارع رئيسي في كثير من المدن الليبية ويوم 23 يوليو أجازة رسمية في ليبيا، بالتدريج تتكشف أمور تؤكد لك أنك على أرض تحكم بالقوة المفرطة ويحكمها ديكتاتور كبير حتى ولو جذبتك فكرة اللجان الشعبية التي تمثل الشعب في إتخاذ قراراته، بالطبع الفكرة على اليمين والواقع في اليسار! وقتها كانت ليبيا تخلو من شبكات الهواتف المحمولة، العقيد كان يوفر لهم أساسات الحياة ولا أكثر، منزل وسيارة مدعمة ودعم كامل للسلع والخدمات، ولكن كل هذا لم يصل بالمواطن الليبي إلى حد الرفاهية الذي وصله وتعداه بمراحل نظيره الخليجي، والليبي يمتلك بترولاً مثلما يمتلكه الخليجي!  ينتشر الأفارقة في ليبيا ولكن كعادتهم ولأوضاع تخصهم وثقافة تجمعهم لا تستطيع أن تراهن عليهم كثيراً في عملية تقدم. أفريقيا والأفارقة كانوا يشبعون رغبة العقيد في الزعامة وخطبه في أراضيهم كانت مشهودة. وقتها لم يكن هناك صحافة في ليبيا وقناة وحيدة تبث على إستحياء وبتوجيه واضح ونادراً ما تخلوا من العقيد وخطبه . عندما تذهب لإجراء إتصال في أي (سنترال) فاعرف أن مكالمتك مراقبة ومن السهل أن تلحظ ذلك وعليك في إتصالك مع ذويك أن تتحدث عن نفسك وعن أخبارك الشخصية ولا تتحدث عن ليبيا. المثابة الثورية أو حماية ثورة العقيد كان لها ممثلين في كل مكان، وفي كل بيت هناك ممثل للمثابة الثورية، ومن ثم لا يتحدث الأخ مع أخيه في السياسة! في كل منطقة هناك مسؤول أمني يتلقى معلومات من موردي معلومات ومن ضمنهم بالطبع عاملين بالسنترالات وأعضاء نشطين في المثابة الثورية وبالطبع طلاب متصنتون في قاعات الدراسة، وفي قاعات المحاضرات عليك أن تتحدث بحرص عن إقتصاد السوق والعولمة فليبيا كانت تسير أو تقف في إتجاه مختلف تماماً. المفارقة أن مقررات إدارة الأعمال التي تدرس في ليبيا وغير ليبيا خارجة من رحم اقتصاد السوق والعولمة، كنا ومقرراتنا ومحاضراتنا في واد وكانت ليبيا في واد آخر! الخوف كان سيد الموقف في ليبيا، ومجرد التفكير في الاعتراض يعني الانضمام لقائمة الأموات. كان يصعب تصور أن تحدث ثورة في ليبيا ولكن ما وقر في النفوس كان أكبر من القدرة على كتمانه..جاءت لحظة الانفجار لتؤكد أن قوة الكبت أكبر من سطوة الخوف!!
 

إقرأ ايضا